الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره ركن ينبغي أن يترسّخ في نفس المسلم لا سيما الذي اتخذ الإسلام منهجا وحياة .
وقضايا الرزق من قضايا هذا الركن المهم ، فالمسلم يؤمن من أعماق قلبه ونفسه أن الأرزاق بيد الله ، وأن ما بسطه الله على العبد من رزق لم يكن لأحد أن يمنعه ، وإن أمسكه عليه لم يكن لأحد أن يعطيه .
فالمسلم يضع نُصب عينيه قول الحق سبحانه { إنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إنه كان بعباده خبيرا بصيرا }1 ويردد صباح مساء قوله جل جلاله { وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض انه لحق مثلما أنكم تنطقون }2 بهذه المعاني يتحرر الداعية من الذل والإلحاح بالطلب والبخل ، والشح ، ويتحلى بالعزة والإيثار والإنفاق في سبيل الله ، ويهتف بما هتف به الإمام الشافعي3 حين كان يتغنى بعزة النفس وطلب المعالي والاقتناع بكفاف العيش :
أنا إن عشتُ لستُ أَعدمُ قوتا وإن متُّ لستُ أُعدمُ قـبرا
همتي همة المـلوك ونـفسي نفس ُ حرٍّ ترى المذلةَ كفرا
وإذا ما قًَنَعَـتْ بالقوتِ عمري فلماذا أخاف ُ زيداً وعمروا
إن الله سمى نفسه الرزاق : أي كثير الرزق فقال : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين 4[الذاريات:58]. بـل هو سبحانه وتعالى خير الرازقين : وإن الله لهو خير الرازقين 5[الحج:58].
كيف لا يكون خير الرازقين وهو الذي يرسل الملك بعد مضي أربعـة أشهـر وبضعة أيام إلى رحم المرأة فينفخ في الجنين الـروح ويؤمـر بكتب أربع : يكتب : رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيـد.
فالـرزق مقـدر معلـوم ، والإنسان في بطن أمه لم يكتمل بناء أو تشكيلاً ، فلا يزيد رزقه عند خروجه على ما كتب ولا ينقص.
روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي قال: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته )) 6.
نعم لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فلماذا إذاً يسرق السارق ، ويرتشي المرتشي ، ويختلس المختلس ، ويرابي المرابي ويتقاضى الفائدة طالما أن رزقه آتيه لا محالة ، إنه لو استقرت هذه الحقيقة في ذهنه لما عصى الله وتجرأ على محارمه ، فالمولى جل وعلا ضمن حتى للبهيمة العاجزة الضعيفة قوتها: { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم } 7[العنكبوت:60].
قد يغفل الإنسان في وقت ما فيصرف بصره تلقاء الأسباب الأرضية في الحصول على الرزق. هنا تأتي الإجابة سريعا لترد الأمور إلى نصابها ولتوقظ هذه الغفلة : { وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون }[الذاريات:22-23].






















